ابن المقفع

231

آثار ابن المقفع

قال الملك : لقد علمت أنه لا يستطيع أحد لأحد ضرا ولا نفعا ، وأنه لا شيء من الأشياء صغيرا ولا كبيرا يصيب أحدا إلا بقضاء وقدر معلوم ؛ وكما أن خلق ما يخلق وولادة ما يولد وبقاء ما يبقى ليس للخلائق منه شيء ، كذلك فناء ما يفنى وهلاك ما يهلك . وليس لك في الذي فعلت بابني ذنب ولا لابني فيما صنع بابنك ذنب ، إنما كان ذلك كله قدرا مقدورا وكلانا له علة وسبب ، فلا تؤاخذ بما أتانا به القدر . قال فنزة : إن القدر لكما ذكرت ، لكن لا يمنع ذلك الحازم من توقي المخاوف والاحتراس من المكاره ، وإلا كان المريض غير مصيب في طلبه الطبيب وكان أهل المصائب يتركون النظر فيما فيه الفرج لهم . ولا ينفع الحذر والاحتراس مع القضاء ، لكن العاقل يجمع مع التصديق بالقدر الاخذ بالحزم والقوة لعل ما يستسلم « 1 » إليه لا يكون مقدورا عليه . وأنا أعلم انك تكلمني بغير ما في نفسك ، والامر بيني وبينك غير صغير لأن ابنك قتل ابني وأنا فقأت عين ابنك ، وأنت تريد ان تشتفي بقتلي وتختلني « 2 » عن نفسي والنفس تأبى الموت . وقد كان يقال : الفاقة « 3 » بلاء والحزن بلاء وقرب العدو بلاء وفراق الأحبة بلاء والسقم بلاء والهرم بلاء « 4 » ورأس البلايا كلها الموت . وليس أحد بأعلم بما في نفس الموجع الحزين ممن ذاق مثل ما به ، فأنا مما في نفسي عالم بما في نفسك للمثل الذي عندي من ذلك ولا خير لي في صحبتك ، فإنك لن تتذكر صنيعي بابنك ولن أتذكر صنيع ابنك بابني إلا أحدث ذلك لقلوبنا تغييرا . قال الملك : لا خير في من لا يستطيع الإعراض عما في نفسه ولا ينساه ويهمله بحيث لا يذكر منه شيئا ولا يكون له في نفسه موقع .

--> ( 1 ) يستسلم : ينقاد . ( 2 ) تختلني : تخدعني . ( 3 ) الفاقة : الفقر . ( 4 ) الهرم : الشيخوخة .